أحمد بن علي القلقشندي

471

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

قلت : وقد غلب على الكتّاب في زماننا من أهل الإنشاء وكتّاب الأموال اتخاذ الدّويّ من النّحاس الأصفر ، والفولاذ ، وتغالوا في أثمانها وبالغوا في تحسينها . والنّحاس أكثر استعمالا ، والفولاذ أقلّ لعزّته ونفاسته ، واختصاصه بأعلى درجات الرياسة كالوزارة وما ضاهاها . وأمّا دويّ الخشب فقد رفضت وتركت إلا الآبنوس والصّندل الأحمر ، فإنه يتعاناه في زماننا قضاة الحكم وموقّعوهم وبعض شهود الدواوين . وأمّا التحلية ، فقال الحسن بن وهب ( 1 ) : سبيل الدّواة أن يكون عليها من الحلية أخفّ ما يكون ويمكن أن تحلَّى به الدّويّ ، وفي وثاقة ولطف ، ليأمن من أن تنكسر أو تنقصم في مجلسه ، قال : وحق الحلية أن تكون ساذجة بغير حفر ولا ثنيات فيها ليأمن من مسارعة القذى والدّنس إليها . ولا يكون عليها نقش ولا صورة . وحقّ هذه الحلية مع ما ذكره ابن وهب أن تكون من النحاس ونحوه دون الفضّة والذهب . على أن بعض الكتّاب في زماننا قد اعتاد التحلية بالفضة ، ولا يخفى أنّ حكم ذلك حكم الضبة في الإناء فتحرم مع الكبر والزينة ، وتكره مع الصغر والزينة والكبر والحاجة ، وتباح مع الصغر والحاجة من كسر ونحوه ، كما قرّره أصحابنا الشافعية رحمهم اللَّه ، نعم يحرم التكفيت بالذهب والفضة ، وكذلك التمويه إذا كان يحصل منه بالعرض على النار شيء ، واللَّه أعلم . الجملة الرابعة في قدرها وصفتها قال الحسن بن وهب : سبيل الدواة أن تكون متوسطة في قدرها ، لا بالقصيرة فتقصر أقلامها وتقبح ، ولا بالكثيفة فيثقل محملها وتعجف . فلا بدّ لصاحبها أن يحملها ويضعها بين يدي ملكه أو أميره في أوقات مخصوصة ، ولا يحسن أن يتولَّى ذلك غيره . قال الفضل : ويكون طولها بمقدار عظم الذراع أو

--> ( 1 ) كاتب ، من الشعراء : كان معاصرا لأبي تمام وله معه أخبار وهو أخو سليمان ( وزير المعتز والمهدي ) ولما مات نحو 250 ه . ، رثاه البحتري . ( الأعلام 2 / 226 ) .